ENGLISH

Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com
الدستور والثورة

نشر في: نشرة أخبار إرادة, 05 مارس 2012
الإعداد: الأستاذ/ محمود عبد الحليم – باحث قانوني بالوحدة المركزية
الدستور أسمى القواعد القانونية وأقدسها لا يلتزم به الشعب فحسب بل تلتزم به القوانين أيضا فهو عقد بين الحاكم والمحكوم يتحدد به شكل الدولة ونظام الحكم فيها ويحدد سلطاتها وينظم العلاقة بين تلك السلطات كما يوضح المقومات الأساسية للدولة ويحدد الحقوق والحريات العامة والخاصة. كما لا يجوز لأي فرد أو جماعة مهما كان ذاك الشخص أو كانت تلك الجماعة انتهاك حرمة نصوصه أو المساس بها.

والدستور لم يظهر في بدايته على تلك الشاكلة التي هو عليها الآن بل كان عرضة للتطور مع تطور المجتمعات وأنظمة الحكم فيها، فقديماً لم يكن له وجود يذكر حيث كانت كافة السلطات في يد الملك فحسب، له الأمر والنهى ولا قيد على سلطانه وسلطته مما أحدث اختلالات اجتماعية جسيمة أدت بدورها لشعور قطاع كبير من الشعب بالظلم حركه انتشار الأفكار الديمقراطية إلى ثورة ضد تلك الظروف والأنظمة التي أوجدتها، وتحت ضغط تلك الثورات تنازل الملك عن بعض سلطاته وصلاحياته في شكل منحة منه إما لوجود ثورة فعلية أو خشية الثورة ضده، وتطور الأمر أكثر إلى أن وصل إلى شكل عقد أو اتفاق بين الحاكم والمحكومين فلا تنفرد إرادة الحاكم بوضع الدستور وإنما يصدر الدستور بتوافق إرادتي كل من الحاكم والشعب. ويترتب على ذلك ألا يكون بمقدور أي من طرفي العقد الانفراد بإلغاء الدستور أو تعديله.

فوثيقة الحقوق لعام 1689 بانجلترا والتي قيدت سلطات الملك وكفلت الحقوق والحريات الأساسية للأفراد وضعها ممثلون عن الشعب بعد اندلاع ثورة ضد الملك جيمس الثاني وتمت دعوة الأمير وليم الأورنجي لتولي العرش على أساس الالتزام بالقيود الواردة بالوثيقة.

والأساليب السابقة عُرفت في الفقه الدستوري بالأساليب غير الديمقراطية لنشأة الدساتير لأن مناط الديمقراطية أن يكون الشعب وحده مصدر السلطات دون تدخل من أحد.
وعلى العكس منها توجد أساليب ديمقراطية لنشأة الدساتير تستأثر فيها الأمة وحدها في وضعها دون مشاركة الحاكم ملكًا كان أو أميرا أو رئيسًا للجمهورية فتنشأ بذلك من مبدأ السيادة الشعبية.

وتلك الأساليب يمكن حصرها في نظام الجمعية النيابية التأسيسية ونظام الاستفتاء الشعبي، ففي الأول ينتخب الشعب جمعية أو مجلس يجمع في يديه كافة سلطات الدولة التأسيسية والتشريعية والتنفيذية يتولى وضع وإصدار دستور للبلاد نيابة عن الشعب.
وفي النظام الثاني تتولى لجنة منتخبة من الشعب أو معينة بواسطة السلطة الحاكمة إعداد مشروع دستور لا يصدر ولا ينفذ إلا بعد استفتاء الشعب وموافقته عليه.

تلك هي أساليب وضع الدساتير والتي كما رأينا تتنوع وتختلف باختلاف طبيعة البلدان وباختلاف الأفكار التى تسيطر على الشعوب عند إعدادها، كذلك تختلف الدساتير من حيث طبيعة إعدادها وتتنوع أيضاً فى شكل إصدارها فهناك من الدساتير المكتوب وغير المكتوب وهناك المفصل في أحكامه والموجز وهناك المؤقت والدائم وهناك المرن والجامد حيث تتحدد مرونة الدساتير وفقاً لاشتراطات تعديلها وما إذا كانت كتلك المتبعة في تعديل القوانين العادية أم بإجراءات أشد منها وأعقد.

هذا وإن تعددت الدساتير في نشأتها وفي أشكالها إلا أن نهايتها لا تخرج عن أحد أسلوبين لا ثالث لهما أحدهما قانوني والآخر فعلي، والنهاية الأولى تستمد شرعيتها من الأمة بصفتها صاحبة السلطة التأسيسية الأصلية فتظل دائماً وأبداً صاحبة الحق في أن تلغي دستورها في أي وقت تشاء، وأن تضع أو تصدر دستوراً جديداً عن طريق جمعية تأسيسية أخرى تنتخبها لهذا الغرض أو عن طريق استفتاء، فمن يملك الإنشاء يملك الإلغاء.

والنهاية الثانية الفعلية تكون نتيجة لأحداث ووقائع خطيرة تحدث للنظام السياسي للدولة كالانقلاب أو الثورة.

فالثورة تتكون من مجموعة من الأفعال تؤدى لإحداث تغيرات جذرية في المجتمع على الصعيد السياسي والاقتصادي مما ينعكس بدوره على تغيير في بنية التفكير الاجتماعي للشعب الثائر يؤدى لإعادة توزيع الثروات والسلطات. وهي بذلك تختلف عن مفهوم الانقلاب الذي يهدف إلى الوصول للحكم دون إتباع الإجراءات الدستورية المقررة ويقوم به بعض من ذوى السلطة كقائد الجيش أو رئيس الوزراء.

وكما أوضحنا بداية أن الدستور يدور مع الثورة وجوداً وعدماً فقد نشأ بوجودها وفي أحيان كثيرة ينتهي بوجودها أيضاً. وبذلك يترتب على القيام بالثورة سقوط الدستور تلقائياً – دون حاجة لإصدار تشريع يؤكد ذلك السقوط – لأن الهدف من الثورة هو القضاء على النظام السياسي القائم ومعنى نجاح الثورة هو سقوط هذا النظام السياسي وفقدانه لقوته القانونية التي يستند عليها – وهي الدستور.

إلا أنه من الممكن ألا يسقط الدستور كلية وذلك إن اتجهت إرادة القائم بالثورة إلى عدم سقوطه وبقائه، وقد أكدت على ذلك المحكمة الإدارية العليا في مصر في حكم حديث لها أقرت فيه "ببقاء دستور 1971 وعدم سقوطه رغم القيام بثورة الخامس والعشرين من يناير لأن إرادة الشعب القائم بالثورة قد منحت المجلس الأعلى للقوات المسلحة "الثقة والتأييد لاتخاذ كافة القرارات والإجراءات اللازمة لتسيير أمور البلاد" وبناء على تلك الثقة أُصدر الإعلان الدستوري الأول في فبراير 2011 وتضمن تعطيل العمل بأحكام الدستور وتشكيل لجنة لتعديل بعضا من مواده.

هذا عن الدستور أما القوانين التي صدرت في ظل الدستور الساقط أو السابق – كالقانون المدني وتشريعات الأحوال الشخصية وغيرها من القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية في الدولة – فوفقا للمنطق القانوني والسياسي السليم فإن تلك القوانين لا تتأثر ولا تسقط بسقوط الدستور كنتيجة للثورة وإنما تظل قائمة ونافذة ومنتجة لجميع آثارها إذ أنها لا تتعلق بالتنظيم السياسي للدولة، والثورة ليست موجهة ضد هذه القوانين لذا فبقاؤها يعد نتيجة منطقية لمبدأ مقرر ومسلم به وهو استمرار الدولة وخلودها على الرغم من تغير نظام الحكم فيها والقول بغير ذلك يعنى سقوط الدولة بسقوط الدستور.

فالقوانين العادية لا تلغيها الثورة، وإنما تظل قائمة ومطبقة حتى يتم إلغاؤها بالطرق العادية لإلغاء القوانين – وذلك بصدور قوانين جديدة من السلطة التشريعية تقرر إلغاءها صراحة أو ضمناً وفقا للأوضاع والإجراءات المقررة في الدستور الجديد – وقد أكد على ذلك كافة الدساتير المتعاقبة في مصر وغيرها من الدول بتضمين الدستور الجديد نصا يقر بصحة ونفاذ كافة القوانين واللوائح التي صدرت قبل العمل بأحكامه.

فالدستور والثورة كالنتيجة والسبب متلازمان ولكل منهما أثر كبير في حياة الأمم والشعوب أو بعبارة أخرى الدستور يدور مع الثورة وجوداً وعدما فقد نشأ بوجودها وفى أحيان كثيرة ينتهي بوجودها أيضاً.
 
  القائمة الرئيسية   |   إرادة   |   معرض الصور   |   الأخبار   |   المواقع ذات الصلة   |   إتصل بنا  
© جميع الحقوق محفوظة للمبادرة المصرية لإصلاح مناخ الأعمال - إرادة